_الأخبــار المحليــة — 01 فبراير 2013

الحمد لله أحيا الشعوب بميلاد أنبيائها وأسعدها برسالة رسلها ورفع قدرها بذكرى هداتها، نحمدك يا الله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فأنت الله نسألك أن تجعلنا تائبين إليك، وأشهد أن لا إله إلا الله بعث فينا رسولا يهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم فقال ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)) ، وأشهد أن سيدنا وأستاذنا ومعلمنا ومخرجنا من الظلمات إلى النور محمدا صاحب القدر العظيم النبي الأمي الذي علم المتعلمين والرسول الذي بعث الأمل في قلوب البائسين والهادي الذي قاد سفينة العالم الحائرة في خضم المحيط ومعترك الأمواج إلى شاطئ الله رب العالمين، فاللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين تشرفوا بصحبته وتمتعوا برؤيته وآمنوا برسالته فرضي الله عنهم أجمعين، وبعد؛فيا عباد الله: فإن أجل الذكريات وأروع الحفلات وأمتع الأحاديث والندوات، يوم ميلاد خير الأنبياء، وسيد السعداء، وصاحب السدرة العصماء، فقد كان مولده بشير الخلق وسبيل البر وباب الرحمة ورسول المحبة، ففتح الله به الأعين العمى والأذان الصم والقلوب المنغلقة ، حرر الله به العبيد، وأيقظ الضمير حتى حطموا قيود الاستعباد وقاوموا الفساد ورفع الله به الإنسان، فرفع رأسه وعلى قدره وأدرك فضله، قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [الجمعة:2-3] .

وقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا)) [الأحزاب:45-47].

أيها المسلمون الأفاضل: نحتفل في هذه الأيام المباركة بميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واحتفالنا بهذه الذكرى لا يعني أننا نذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم أو الأسبوع ثم نغلق هذا الباب ونطوي هذه الصفحة وبعدها ننساه في السنة كلها وننسى كل ما جاء به ومن أجله،كلا، بل الواجب يحتم علينا أننا أمة ملتزمة بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورة بأوامره منهية بنواهيه دائما وأبدا حتى نلقى الله ونسلم هذه الرسالة في أمان إلى جيل آخر يأتي بعدنا وهي كاملة، حيث لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون لنا أيام نحتفل بها على سبيل المثال “ليلة القدر”، “العيدين” وكل المناسبات الدينية ، ثم ننسى بعد ذلك ونعود إلى طريق آخر هذه ليست من صفات المؤمنين ولا من صفات السلف الصالح، بل نحتفل بهذه الذكرى لنأخذ منها زادا روحيا وطاقة تزود الروح والجسد باستمرار لا تتوقف في الطريق بل تبقى سائرة وصالحة للأمام والدوام وللأجيال والزمان .

تلكم هي الحكمة من الاحتفالات الدينية، فإذا تكلمنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاحتفالات الماضية على أنه مصلح ومنقذ للبشرية عامة ونحن عاجزون عن الإصلاح والإنقاذ فهذا يعاب علينا ، فالاحتفالات ليست بعودة الأيام وتكرار السنين ولكن لما يتحقق فيها من القيم الإنسانية والأهداف النبيلة من إحقاق الحق وإزهاق الباطل وإنصاف المظلومين وردع الظالمين وتفريج كربة المكروبين…

أيها المسلمون فالاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم يعني العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله واقتفاء أثر السلف الصالح الطيب والجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى، كما يعني إنجاز المشاريع النافعة التي تخدم بلدنا وأمتنا ومجتمعنا، فتجعلهم أقوياء أعزاء لا يمدون أيديهم إلى غيرهم فيستنجدونهم في ذلة وانكسار وضعف واستخدام ، قال الله تعالى: ((وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)) [التوبة: 105] .

أمة الإسلام: إن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم هو فرصة لمحاسبة النفس والعمل على تهذيبها والأخذ بزمامها في طريق الخير، ونقطة تأمل ومحاسبة ومراجعة وتقويم، فإن وجدنا أنفسنا على خير وحدنا الله وشكرناه واستزدناه من فضله ، وإن وجدنا أنفسنا مقصرين أو ضالين استغفرناه وتبنا إليه وسارعنا إلى الخير ، قال تعالى وهو يخبرنا عن أنبيائه ((إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)) [الأنبياء:90]، وقال صلى الله عليه وسلم :”طوبى لعبد جعله الله مفتاحا للخير مغلاقا للشر وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير” ، وقال صلى الله عليه وسلم:” حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ” .

أيها المسلمون: عندما نحتفل بالمولد نسأل أنفسنا ماذا جنينا من هذه الاحتفالات؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم الذي نحتفل بميلاده كان يمتاز بصفات وخصال عالية تتمثل في الإيمان بالله وحب الله والصبر والشجاعة والأخلاق والإحسان والإيثار ومخافة الله والتوبة والعدل والزهد والعفو والرحمة والكرم والورع ، وبر الوالدين والحياء ومكارم الأخلاق التي اتصفت بالخيرية المطلقة وبالصلاحية العامة وهي نابعة من الدين وكفيلة بالخير المطلق وصالحة للناس أجمعين ، لأن الرقيب عليها هو الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، فالأخلاق التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي التي نهضت بالمجتمع الإسلامي إلى الرقي ورفرفت رايتها على جميع بقاع الأرض ، ولقد وصفه صاحب العزة بقوله ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية ( لعلى دين عظيم ، لا دين أحب إلي ، ولا أرضى عندي منه , وهو دين الإسلام )، وقال الحسن : ” هو أدب القرآن “.

ونتساءل اليوم هل المدرسة التي تعلم فيها الصحابة الكرام ومن بعدهم أغلقت أبوابها؟ أم أن أبوابها مفتوحة وإلى الأبد؟ ، أعتقد وأنا على يقين أن الأبواب مفتوحة وستبقى ، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي” رواه الإمام مالك في الموطأ.

ولد الهدى فاهتزت الدنيا لــــه * فرحا وزالت دولة الإجرام

والظلم ولى ماله من رجعــــة * والعدل أقبل مفرد الأعلام

والجهـل أدبـر ما له مـن عودة * والعلم جاء ينير كل ظلام

وتقـهقـرت يا صاح كل رذيلـة * كالوأد والتشريد للأنـام

وتألفـت كـل القلـوب مـودة * وتآزرت في صيحة ووئام

موضوعات مشابهة

مشاركة

عن الكاتب

رئيس التحرير

(2) تعليق

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>